كتب رأفت نجم:
أحمد فؤاد نجم
من أهم شعراء العامية المصرية وأكثرهم شهرة. ولد في قرية "كفر أبونجم " بمركز أبو حماد محافظة
الشرقية سنة 1929، وكان
والده، محمد عزت نجم" ضابط شرطة"، أما والدته "هانم" فكانت ربة منزل ، وبدأ حياته الشعرية بكتابة القصائد في مواضيع مختلفة
أهمها الرياضة، إذ كان يطلق عليه في فترة الخمسينيات لقب: شاعر مباريات
الأهلي والزمالك. تعرّف على رفيق دربه الشيخ إمام عيسى عام 1962، وكانت باكورة أعمالهم الفنية أغنية “أنا أتوب عن حبك أنا”.
كانت نكسة 1967 نقطة التحول في مسيرتهما الفنية، إذ تحولا بعدها إلى مجال الأغنية السياسية، مما أدى إلى اعتقالهما عدة مرات، ولاسيما في عهدي جمال عبد الناصر وأنور السادات.
بدايات أحمد فؤاد نجم:
التحق أحمد فؤاد نجم خلال طفولته بالكُتّاب الموجود في قريته، حيث تلقى تعليمه على يد شيخ القرية.
بعدما خرج نجم من الملجأ، عاد إلى القرية لكنه لم يمكث هناك طويلًا، فرجع مرة أخرى إلى القاهرة وعمل في أحد معسكرات الجيش الإنجليزي.
وفي بداية عام 1951، كان أحمد فؤاد نجم في فايد، إحدى مدن القناة، والتي كانت في ذلك الوقت مركز تجمع لمختلف القوى السياسية والعمالية، ولاسيما الشيوعيين. عمت المظاهرات مختلف أرجاء مصر في تلك الفترة، وقد شارك فيها الفلاحون والطلبة والعمال، وطبعًا انضم نجم إلى تلك الحركات الاحتجاجية التي كانت تطالب بإلغاء معاهدة 1936 بين مصر وإنجلترا.
كان لتلك الفترة أثر كبير ومهم على حياة نجم، فقد تمكن خلالها من قراءة عدد كبير من الكتب، كان أولها رواية "الأم" لمكسيم جوركي التي وصفها قائلًا: "شكلت بداية وعيي الحقيقي والعلمي بحقائق هذا العالم, والأسباب الموضوعية لقسوته ومرارته"
خلال فترة الخمسينيات، اعتقل أحمد فؤاد نجم وذهب إلى السجن ، وهناك استطاع أن يلتقي بعدد من سجناء الرأي الذين كانوا بمعظمهم من الشيوعيين، وهكذا كان يستمع إلى مناقشاتهم وحواراتهم، بالإضافة إلى ما كانوا يلقونه من قصائد، وخصوصًا للشاعر "فؤاد حداد". وقد أورد نجم خلاصة تجربته في السجن في ديوانه الأول "صور من الحياة والسجن".
أعمال أحمد فؤاد نجم:
كان عام 1962 محطة البداية لمسيرة الشاعر أحمد فؤاد نجم، ففي ذلك العام، التقى بالملحن والفنان المصري الشيخ إمام عيسى في منزله الكائن في حي "حوش قدم" في القاهرة.و شعر الاثنان بمدى تقاربهما الفكري، فقرر نجم أن يمكث في منزل الشيخ إمام. كانت أغنية "أنا أتوب عن حبك أنا" أول تعاون فني بينهما، وتوالت بعدها عدة أغنيات كانت في مجملها أغانٍ عاطفية نذكر منها "ساعة العصاري". وهكذا ذاع صيتهما تدريجيًا في مصر، وانتشرت أغانيهما إلى درجة كبيرة، حتى أن الإذاعة المصرية خصصت برنامجًا قصيرًا اسمه "مع ألحان الشيخ إمام"، كان الشيخ فيه يغني أغانيه التي لحنها من كلمات نجم.
شكلت نكسة حزيران عام 1976 نقطة تحول بالنسبة إلى أحمد فؤاد نجم؛ فقد شعر بصدمة مهولة إزاء الهزيمة الكبيرة التي لحقت بمصر خلال أيام معدودة. وأدرك أن تحرير سيناء والأرض المحتلة يتطلب أولًا من المصريين مكاشفة صريحة مع النفس لتحديد أسباب الهزيمة.
وهكذا قرر مع الشيخ إمام دخول مجال الأغنية السياسية، فباشر في كتابة قصائد تحمل كلماتها سخرية مريرة من النظام وشعاراته، كان أولها أغنية "الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا"، وتبعتها أغانٍ أخرى مثل "بقرة حاحا"، و"أنا الأديب ولا تعرفنيش"، و"يا مرحرح".
كانت كلمات هذه القصائد قاسية وساخرة جدًا، فتسبب ذلك في دخول أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام إلى السجن، حيث بقيا هناك حتى وفاة عبد الناصر.
أُفرج عن أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام بعد استلام أنور السادات رئاسة مصر، فعاد الاثنان إلى نشاطهما السياسي، واستمر نجم في كتابة القصائد السياسية التي كان الشيخ إمام يغنيها في المظاهرات وضمن الأمسيات التي كان الطلاب يعقدونها في الجامعة.
وعلى مدار عقد السبعينيات من القرن الماضي، كان الاثنان نزيلين شبه دائمين في السجون المصرية، وخاصة بعدما بلغ الخلاف مع السادات أشده، حين هاجمه نجم في سلسلة قصائد لاذعة أشهرها: "شعبان البقال"، و"بيان هام"، و"شيد قصورك" وغيرها
كانت علاقة نجم مع الطبقة الثقافية والفنية في مصر مضطربة للغاية، فقد ألف عدة قصائد هجا فيها رموز الفن والأدب في مصر مثل صلاح جاهين، وأم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وعبد الرحمن الأبنودي، ومحمد حسنين هيكل. في المقابل، كان له قصائد كثيرة في مدح رموز النضال والتحرر العالمي؛ فرثا جيفارا بقصيدة شهيرة اسمها "جيفارا مات"، كما ألف قصيدة عن الزعيم الفيتنامي "هوشي منه"، وقد غنى الشيخ إمام كلتا القصيدتين.
وأيضًا، لم تغب القضية الفلسطينية عن شعر أحمد فؤاد نجم، فقد ألف قصائد عديدة حول فلسطين أهمها "يا فلسطينية"، و"تل الزعتر"، و"في ذكرى الميلاد العشرين".
في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، أُلغي قرار منع السفر الصادر بحق أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، فسافر الاثنان في جولة فنية شملت عددًا من الدول العربية والأوروبية مثل تونس، والجزائر وفرنسا وألمانيا.
أقام الثنائي عدة أمسيات غنائية لاقت إقبالًا كبيرًا من الجمهور، ولاسيما لدى فئة الشباب. وأصدرا خلال تلك الجولات عدة مواقف مهمة من مختلف القضايا السياسية في الوطن العربي.
ولكن للأسف لم تكتمل فرحة الثنائي بهذا النجاح، إذ سرعان ما دبّ الخلاف بينهما، وتطور الأمر إلى درجة أنهما انفصلا عن بعضهما.
وفاة أحمد فؤاد نجم:
تراجعت المسيرة الشعرية لنجم بعد انفصاله عن الشيخ إمام ولاسيما خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، إذ لم ينشر نجم في تلك الفترة أي قصائد جديدة، واكتفى بالظهور في بعض البرامج التلفزيونية.واستمر نجم في لقاءاته الإعلامية ومواقفه المؤيدة للشباب المصري حتى وفاته فى 3 ديسمبر عام 2013، ليكون ذلك الفصل الأخير في حياة "فاجومي" مصر!
مالم تعرفه عن أحمد فؤاد نجم:
صبيحة يوم 3 ديسمبر من عام 2013، اتصل أحمد فؤاد نجم بصديقه رشدي جاد، وطلب منه أن يمر عليه بالمقطم حيث كان يعيش، وبالفعل جاءه الصديق فطلب منه الشاعر الكبير أن يأخذه إلى البنك، وهنالك استعلم عن رصيده الذي تجاوز، بعد حصول نجم على جائزة الأمير كالاوس، وهي جائزة هولندية لم يحصل عليها من العرب غير محمود درويش ونجم، وتبلغ قيمتها 100 ألف يورو، المليون جنيه وعشرات الآلاف من الجنيهات، طلب نجم من الموظف أن يضع المليون كاملاً في حساب مستشفى سرطان الأطفال، وقال له: "حط الفلوس دي في المستشفى اللي بتعالج العيال الغلابة من السرطان"، ثم طلب منه أن يوزع المبلغ الصغير المتبقي على اولاده نوارة وزينب وأميمة. وبعدها سحب مبلغ خمسة آلاف جنيه ووضعهم في جيبه"
حين وصل إلى باب البنك أعطى موظف الأمن خمسمائة جنيه بلا مبرر، وعلى الطريق كان "يكبش" دون حساب أو تقدير ويناول المال لكل مَن يقابله وهو يردد: "خد دول، هات حاجة لولادك"، ثم استوقف سيارة أجرة وعاد بها إلى البيت، وكانت أجرة التاكسي لا تتجاوز بأي حال الخمسون جنيهاً غير أنه أعطى السائق ما تبقى في جيبه من مال، وهو مبلغ قد يتجاوز الألف جنيه، وقد اندهش سائق التاكسي وسأل: ما هذا؟ فرد نجم: "ده رزق العيال"
في ذلك اليوم تحديداً توفي أحمد فؤاد نجم بعد أن وزّع كامل ثورته على الناس الغلابة الذين عاش بينهم ومعهم ودافع عنهم وعن قضاياهم فسُجن بسبب انحيازه إلى تلك الطبقة، طبقة القاع والفقراء والمهمشين، هذا هو نجم المناضل والشاعر والإنسان.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق